دراسة نقدية بقلم / دكتور / أحمد مصطفى
***************
كنت قد تعرفت إلى أخي وحبيبي محمود جابر في أحد المناقشات العلمية العلنية بكلية الآداب بدمنهور، وقد التقت روحي بروحه فالأرواح جنود، جمعنا العلم والأدب ووجهة النظر واحترام السادة الأساتذة في الكلية ، وكثيرا ماقرأت له شعرا دونه صفحته على شبكة التواصل الاجتماعي (فيس بوك) قرأت له قصائد عن الحب وعن الوطن وعن الغربة وعن الناس، فأيقنت أن القصيدة عنده لاتأتي كما يريد أو كما يريد الأخرون منه ؛ بل تاتي بموعدها في أحداث تجعله يعيش تفاصيل شعره، وكأنه أراد أن يزرع كلماته في قلوب القاريء ويسافر به إلى بلاده عبر شرفات القلب، كما تسافر الفكرإلى جزر المعاني المنتشرة في أعماق الذات ؛فجاء شعره أنشودة جميلة وخفيفة.
محمود جابر واحد من الشباب الخلوقين الواعدين المتدينين ، نشأ بحوش عيسى نشأة دينية ، هوعاشق للغة العربية وآدابها ،وهو واحد من أكفأ الباحثين الجادين المجتهدين ، يشهد له أقرانه وأساتذته وكل من يتعامل معه بحسن السيرة والسريرة، والتواضع وحسن الخلق ،وما القصيدة عنده إلا لقاء بين الشكل والمضمون ،وهذا اللقاء –في نظري – هو رمز لحياة المبدع ، الذي يستوطن المعاني والألفاظ ؛فتصل المفردة اللغوية برمزيتها إلى التمازج ما بين الإحساس والمشاعر أوالتراتيل المبعثرة .
والقاريء لديوان (محمود جابر) – صغير الحجم (74صفحة) كثير القصائد والمقطوعات – يأخذه اللفظ السهل إلى عالم موازي لعالم الواقع، إذ يمتاز أسلوبه بعد كل هذا بما يعرف بالتعبير بالصور أو محاولة إيجاد المعادل الموضوعي في الأدب وكأن الصور والأشكال لها وقعها على نفسه فيحدثها شعرا يصنع من خلاله عالما بديلا لعالم واقعه المرفوض،وفي قصيدته الأولى :
( بين التلاقي …. والفراق) يستحضر قيصيدة للشاعر( مهدي منصور اللبناني)
تتلاطم الأمواجُ حول دفاترى تتشابك الأغلالُ حول يديّا
دهري استدار وفر منى هاربا والفرح خاصم كل شيء فيّا
” حتى القصيدة أنكرت صلتي بها كم جُلتُ بين قصائدي منفيّا ”
ولعله وجد في شعر مهدي منصور، انسجام الاصالة و الحداثة ” حتى لكانّهما تبدوان قبلتين لثغر واحد فهو يكتب بلغة عصره و يشعُّ تالّقاً في التجارب الشعريّة الحديثة و لكنّه يحافظ على الإيقاع الموسيقي الساحر الذي يميّز الشعر العربي” لكنك وأنت تقرأ شعر(محمود ) لاتسمع له صراخا خاصا به ؛ فغضبه من الأحداث ساقه للتضمامن مع وطنه في قضية سد النهضة ،ومع عروبته في أحداث سوريا وبغداد ،فهو عاشق لوطنه يضعه في الطرف الأغلى من قلمه فالتجربة عنده أساس المعرفة ،وذلك من خلال إختصاصه .
ويرتبط توظيف التراث في ديوان (محمود) بالمتلقي ،و تفاعله مع شعره ؛فالموروث مادة جاهزة للإفادة، استطاع عدد غير قليل من الشعراء توظيفه داخل سياقات نصوصهم الإبداعية، فبات سمة بارزة من سمات الشعر العربي الحديث، وهو يصرح بهذا النسج وهذا التناص ؛وهذا واضح في استثماره لنص (المتنبي) على فدر أهل العزم …يقول:
” على قدر أهل النصبِ تأتى المناصبُ وتأتى على قدرِ النفاقِ المراتبُ ”
وتصغر في عين الصغير أُسُودُها وتعظمُ في عينِ الحقيرِ الثعالبُ
وقلةُ دينِ المرءِ مقياسُ فوزِه كذا حدثتنى في بلادى العجائبُ
ونص منسوب إلى مَعْن بن أَوس، (أعلمه الرماية …) كماجاء في كتاب الحريري (دُرّة الغوّاص في أوهام الخواصّ)- تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ص 182، يقول:
أعلمــه النجـارة كــل يــوم فلـمـا دق مـسـمـارا تـجـبـرْ
وكـم علمتـه صنـع الكراسـي فلـمـا نــال أجرتـهـا تـكـبـرْ
وظــن بـأنـه أضـحـى غـنـيـا يحوز ( فلوس ) قارون وأكثرْ
يسير بشارعـي يختـال زهـوا ويحسب نفسه يـا قـوم عنتـرٓ
ونص حسن المرواني(أنا وليلى) (ماتت بمحراب عينك ابتهالاتي….) يقول:
تاهتْ بدربِ الهوى المفقودِ أوتارى واسّاقطت حَزَنَا أوراقُ أشجارى
وانهارَ منى فؤادٌ كنتُ أنذُرُهُ ليزرعَ الحُبَّ في أبياتِ أشعارى
ويرسمَ اللحنَ في عينيكِ أغنيةً يشدو بها بلبلٌ من فيضِ قيثارى
فالشاعر كشف لنا عن ولعه بالشعر في عصوره المختلفة ،وقرأته نضح بها إناؤه ،وثقافته بلغ سيلها الربي ،فتعامله مع التراث جاء نقلا لبعض الأبيات ، أوإعادة صياغتها أو تقليدها؛ وكأنه أراد أن يذكرنا بالماضي، ويقدم حلولا للمشكلات المعاصرة، وأرى أن الشاعر مازال أمامه فرصة للتعامل الحقيقي مع التراث و استخدام معطياته وعناصره «استخداماُ فنيا إيحائياً وتوظيفها رمزياً لحمل الأبعاد المعاصرة للرؤية الشعرية، بحيث يسقط على معطيات التراث ملامح معاناته الخاصة، فتصبح هذه المعطيات معطيات تراثية ـ معاصرة ”
يقول الدكتور محمد أبو علي في مقدمته للديوان:” صعب جدا أن تمسك بالقلم لتكتب عن اللغة ودهشتها ، وأحد عشاقها الغارقين في نغماتها وجمال تراكيبها ، لم أجد عنوانا لما أكتب عن شعر ” محمود جابر ” إلا ” مدارات الدهشة ” فأنت بداية من العنوان تقع أسيرا في مداراته الجميلة المدهشة ، التي حرص فيها منذ البداية علي إعلاء عشقه للفصحى ، وتناصه مع التراث بكل تجلياته الجميلة التي لا يستطيعها ولا يقدر عليها إلا من عجن نفسه حبا بزيتها ودقيقها وحلو لفظها وعسل نحوها إن جاز التعبير .ملامح الجمال الفني في الديوان كثيرة ، لكني أردد أخيرا مع التوحيدي مقولته ” الكلام على الكلام صعب ” وما أصعبه حين يكون النثر وسيلة للتعليق على الشعر الشاعر ، والكلام الجميل ، والتراتيل المبعثرة عنوانا المنتظمة تركيبا وإحساسا” .
لقد اختار الأستاذ لتلميذه عنوانا لمقدمة الديوان :” مدارات الدهشة” وهو عنوان أراه مناسبا للغة الرجل وماجاء في شعره من تناص ومعارضة ونسج على منوال قصائد لكبار الشعراء؛ مما جعل شعره مبعثرا بين التراث الذي عشقه والتدين والالتزام ، فالشعر يكشف عن هوية قائله، وهوية الذات الشاعرة، أكثر من الكشف عن المواقف والفكرة والاتجاهات، هنا ينجح الشاعر في تجسيد الشعرفي حياته والحياة في شعره.(يتببع)

